سيد محمد طنطاوي

112

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قينته ، فيقول لها : أطعميه واسقيه وغنيه ، فهذا خير مما يدعوك إليه محمد صلى اللَّه عليه وسلم من الصلاة والصيام ، وأن تقاتل بين يديه . « 1 » . و * ( لَهْوَ الْحَدِيثِ ) * : باطله ، ويطلق على كل كلام يلهى القلب ، ويشغله عن طاعة اللَّه - تعالى - ، كالغناء ، والملاهي ، وما يشبه ذلك مما يصد عن ذكر اللَّه - تعالى - : وقد فسره كثير من العلماء بالغناء ، والأفضل تفسيره بكل حديث لا يثمر خيرا . و * ( مِنَ ) * في قوله * ( ومِنَ النَّاسِ ) * للتبعيض ، أي : ومن الناس من يترك القول الذي ينفعه ، ويشترى الأحاديث الباطلة ، والخرافات الفاسدة . قال القرطبي ما ملخصه : هذه إحدى الآيات التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه . ولا يختلف في تحريم الغناء الذي يحرك النفوس ، ويبعثها على الغزل والمجون . . فأما ما سلَّم من ذلك ، فيجوز القليل منه في أوقات الفرح ، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، كما كان في حفر الخندق . . « 2 » . وقوله : * ( لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّه بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُواً . . ) * تعليل لاشتراء لهو الحديث . والمراد بسبيل اللَّه - تعالى - : دينه وطريقه الذي اختاره لعباده . وقد قرأ الجمهور : * ( لِيُضِلَّ ) * بضم الياء - أي : يشترى لهو الحديث ليضل غيره عن صراط اللَّه المستقيم ، حالة كونه غير عالم بسوء عاقبة ما يفعله ، ولكي يتخذ آيات اللَّه - تعالى - مادة لسخريته واستهزائه . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو * ( لِيُضِلَّ ) * - بفتح الياء - فيكون المعنى : يشترى لهو الحديث ليزداد رسوخا في ضلاله . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : القراءة بالضم بينة ، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو ، أن يصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ، ويضلهم عنه ، فما معنى القراءة بالفتح ؟ . قلت : فيه معنيان ، أحدهما : ليثبت على ضلاله الذي كان عليه ، ولا يصدف عنه ، ويزيد فيه ويمده ، فإن المخذول كان شديد الشكيمة في عداوة الدين وصد الناس عنه . والثاني : أن

--> ( 1 ) لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص 172 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 54 وراجع تفسير الآلوسي ج 21 ص 67 وما بعدها .